السيد علي الطباطبائي
411
رياض المسائل ( ط . ق )
الملازمة أن الجهل بالشرط يستلزم عدم الجزم بالمشروط فلا يحصل الجزم بسماع الدعوى وفي جميع هذه الأدلة الأخيرة نظر لمنع العموم في الآية وإنما غايتها الإطلاق الغير المعلوم انصرافه إلى محل النزاع ولو سلم فلا دلالة فيها على كون الحكم فيه سماع الدعوى فقد يكون الحكم فيه ردها كسائر ما يرد فيه الدعاوي ولم تسمع إجماعا والتمسك بأصالة عدم الاشتراط حسن حيث يكون إطلاق ينفع أو عموم ووجود كل منهما هنا غير معلوم وعموم الآية على تقدير تسليمه دليل آخر فلا يتم به الأصل واشتراط الجزم إنما هو في الصيغة لا في نفس الأمر والعقيدة كما صرح به الشهيدان في النكت والمسالك والصيمري في شرح الشرائع قالوا فإنه من المعلوم أنه إذا كان للإنسان بينة تشهد له بالحق وهو لا يعلم به له أن يدعي عند الحاكم لتشهد البينة له ولعله لهذا نسب الجزم المعتبر في العبارة وغيرها إلى الصيغة خاصة تنبيها على عدم اعتباره في العقيدة وحينئذ فلا يجب على الحاكم الاستفسار بعد ظهور الصيغة في الجزم وإن احتمل خلافه حيث لم يصرح به لما عرفت من رجوع الإطلاق إليه هذا ولو سلمت هذه الأدلة فمفادها سماع الدعوى مطلقا ولو لم يكن هناك تهمة أصلا ولم يقولوا به بل ظاهرهم الإطباق على خلافه وإن حكي القول بالإطلاق شيخنا الشهيد الثاني فإن قائله غير معروف ولا في كلام أحد عدا شيخنا المذكور ولعله من العامة وعلى كونه تقدير منا ليصح النقض أيضا جدلا مع هؤلاء الجماعة ولو ذب عنه بالإجماع على التقييد لم ينفع لإيراثه الوهن في أدلتهم ولو بالإضافة إلى ما تقدم من الأدلة المعارضة وبالجملة الظاهر ما عليه الماتن واللَّه سبحانه هو العالم قالوا وعلى الثاني إن حلف المنكر أو قضينا بالنكول فلا كلام وإن لم نقض إلا برد اليمين لم ترد هنا لعدم إمكانه بل توقف الدعوى ومنه يظهر ما في استدلال الشهيد في النكت على اختياره له بأن فيه حسما لمادة النزاع لعدم انحسامها على تقدير النكول عن اليمين وعدم إمكان الرد والقضاء بالنكول نعم تنحسم على القول بالقضاء به وهو لا يقول به فلا يوافق دليله مختاره إلا أن يلزم بحبس المنكر إلى أن يقر أو يحلف كما ذكره الصيمري ولكنه لم يذكره هو ولا من عداه بل ظاهرهم إيقاف الدعوى وبه صرح بعضهم فتأمل جدا مع أن حسم مادة النزاع غير منحصر في سماع الدعوى لإمكانه بردها أيضا كسائر ما يرد فيه الدعاوي إجماعا كما مضى [ من كانت دعواه عينا فله انتزاعها ] واعلم أن من كانت دعواه عقوبة كالقصاص وحد القذف فلا بد من الرفع إلى الحاكم بلا خلاف يعرف كما في الكفاية وإن كانت عينا وتيقن استحقاقها فله انتزاعها عن المنكر ولو قهرا ما لم يثر فتنة ولا يقف ذلك على إذن الحاكم بلا خلاف لأنه عين ماله فلا حاجة إلى الرجوع في تحصيله إلى غيره فإن الناس مسلطون على أموالهم ولو أدى إلى الفتنة فلا بد من الرفع إليه أو إلى من يؤمن معه منها دفعا لها ولو كانت دينا والغريم مقر به باذل له غير مماطل أو مماطل أو غير باذل مع إمكان الانتزاع بالحاكم أو كانت دعواه دينا مع جحوده أي الغريم ولكن له عليه أي على الدين حجة يتمكن معها من إثباته عليه عند الحاكم وانتزاعه منه بإعانته لم يستقل المدعي حينئذ بالانتزاع من دون إذن الغريم أو الحاكم حيث لا يمكن إذنه بلا خلاف فيه فيما عدا الأخير للأصل مع فقد ما يوجب الخروج عنه عدا تعلق حقه بذمته وليس بمخرج لأنه أمر كلي وللمديون التخيير في تعيينه من ماله فلا يتعين في شيء منه بدون تعيينه أو تعيين الحاكم حيث لا يمكن تعيينه بمماطلته أو عدم بذله ولا يتصور اعتبار إذن الحاكم إلا في هاتين الصورتين دون ما فرضه الماتن من بذل الغريم لأن الحاكم إنما يلي على الممتنع ومن في معناه اللهم إلا أن يتصور حينئذ في غيبة الغريم مع حلول الدين وتضرر المدعي بالتأخير إلى حضوره فيكون في معنى الممتنع فيندفع به الاعتراض المتقدم وإن أورده شيخنا في المسالك على عبارة الماتن في الشرائع القريبة من عبارته هنا فتأمل وأما عدم الاستقلال في الأخير فمختار الماتن هنا خاصة للاقتصار فيما خالف الأصل على موضع الضرورة وهي هنا منتفية لإمكان التوصل إلى الحق بالحاكم بمعونة البينة ولأن الممتنع عن وفاء الدين يتولى القضاء عنه الحاكم ويعين من أمواله ما يشاء ولا ولاية لغيره عليه خلافا للأكثر على الظاهر المصرح به في المسالك بل المشهور كما في كلام الصيمري والكفاية وعليه عامة المتأخرين حتى الماتن في الشرائع وهو الأظهر عملا بعموم الأدلة التي سنذكر بل صريح بعضها كما سيظهر وبها يخص الأصل الذي مر سيما بعد التأيد بأصالة عدم إلزام المدعي بكلفة الترافع إلى الحاكم وإقامة البينة وإحضارها مع تشتتها واحتمال رد الحاكم لها أو غيره مما يوجب سقوط الحكم كما قيل فتأمل والعجب من بعض الأصحاب حيث استدل للمختار بما روي عنه صلّى الله عليه وآله أنه لما قالت له هند يا رسول اللَّه إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه سرا وهو لا يعلم فهل علي في ذلك شيء فقال صلى الله عليه وآله خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فإن فيه أن أمره ص لها بذلك لعله إذن منه لها من قبل ولايته على زوجها الممتنع إلا أن يمنع بتوقفه على استيذان هند إياه في ذلك والحال أنها قد سألته والسؤال يقتضي كون الأمر جوابا عن مسألة لا إذنا عن الممتنع ورخصته وفيه نظر [ ولو فات أحد الشروط ] ولو فات أحد الشروط المتقدمة بأن كان دعواه عينا أو دينا والغريم منكر لا حجة له عليه أو مقر غير باذل أو باذل مماطل مع عدم إمكان الانتزاع بالحاكم وحصل للغريم في يد المدعي مال كان له المقاصة وأخذه عوضا عن حقه من غير زيادة بلا خلاف أجده فيما إذا لم يكن مال وديعة وبه صرح جماعة بل يفهم الإجماع عليه من الغنية وهو الحجة مضافا إلى قوله سبحانه فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ الآية وقوله عز شأنه فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وفحوى النبوي لي الواجد يحل عقوبته وعرضه وخصوص النصوص المستفيضة التي كادت تكون متواترة منها زيادة على ما مر إليه الإشارة في بحث سقوط الدعوى بإحلاف المنكر ولو أقيم عليها البينة بعد الصحاح المستفيضة منها أني أعامل قوما فربما أرسلوا إلى فأخذوا مني الجارية والدابة فذهبوا بها مني ثم يدور لهم المال عندي فأخذ منه بقدر ما أخذوا مني فقال خذ منه بقدر ما أخذوا منك ولا تزد عليه ومنها إني أخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها والدابة الفارهة فيأخذونها ثم يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه فقال خذ مثل ذلك ولا تزد عليه ونحوه آخر والحسنان كالصحيحين قلت رجل لي عليه دراهم فجحدني وحلف عليها أيجوز لي لو أن وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر الحق قال فقال نعم ولهذا كلام قلت وما هو قال يقول اللهم إني لم آخذه ظلما ولا خيانة وإنما أخذته مكان مالي الذي أخذ مني ولم أزدد عليه شيئا ولا يقدح تضمنها جواز القصاص مع الحلف واعتبارهما الدعاء المزبور